الغزالي
126
إحياء علوم الدين
من النِّساءِ والْبَنِينَ والْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ من الذَّهَبِ والْفِضَّةِ والْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ والأَنْعامِ والْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) * « 1 » ثم رده في آية أخرى إلى خمسة فقال عز وجل * ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكاثُرٌ في الأَمْوالِ والأَوْلادِ ) * « 2 » ثم رده تعالى في موضع آخر إلى اثنتين فقال تعالى * ( إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ ) * « 3 » ثم رد الكل إلى واحد في موضع آخر فقال * ( ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) * « 4 » فالهوى لفظ يجمع جميع حظوظ النفس في الدنيا ، فينبغي أن يكون الزهد فيه وإذا فهمت طريق الإجمال والتفصيل عرفت أن البعض من هذه لا يخاف البعض ، وإنما يفارقه في الشرح مرة ، والإجمال أخرى . فالحاصل أن الزهد عبارة عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها . ومهما رغب عن حظوظ النفس رغب عن البقاء في الدنيا ، فقصر أمله لا محالة ، لأنه إنما يريد البقاء ليتمتع ، ويريد التمتع الدائم بإرادة البقاء ، فإن من أراد شيئا أراد دوامه . ولا معنى لحب الحياة إلا حب دوام ما هو موجود أو ممكن في هذه الحياة . فإذا رغب عنها لم يردها ولذلك لما كتب عليهم القتال قالوا * ( رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) * « 5 » فقال تعالى * ( قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ) * « 6 » أي لستم تريدون البقاء إلا لمتاع الدنيا . فظهر عند ذلك الزاهدون ، وانكشف حال المنافقين أما الزاهدون المحبون لله تعالى فقاتلوا في سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص ، وانتظروا إحدى الحسنيين ، وكانوا إذا دعوا إلى القتال يستنشقون رائحة الجنة ، ويبادرون إليه مبادرة الظمآن إلى الماء البارد ، حرصا على نصرة دين الله ، أو نيل رتبة الشهادة وكان من مات منهم على فراشه يتحسر على فوت الشهادة ، حتى أن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه لما احتضر للموت على فراشه كان يقول . كم غررت بروحي وهجمت على الصفوف طمعا في الشهادة وأنا الآن أموت موت العجائز . فلما مات عدّ على جسده ثمانمائة ثقب من آثار الجراحات هكذا كان حال الصادقين في الإيمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين وأما المنافقون ففروا من الزحف خوفا من الموت ، فقيل لهم * ( إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْه ُ فَإِنَّه ُ مُلاقِيكُمْ ) * « 7 » فإيثارهم البقاء على الشهادة استبدال الذي هو أدنى بالذي
--> « 1 » آل عمران : 4 « 2 » الحديد : 20 « 3 » الحديد : 20 « 4 » النازعات : 40 « 5 » النساء : 77 « 6 » النساء : 77 « 7 » الجمعة : 8