الغزالي

107

إحياء علوم الدين

فانظر الآن كيف صفت قلوبهم وأحوالهم ، وكيف خلصت لله أعمالهم ، حتى كان يشاهد كل واحد منهم قلب صاحبه من غير مناطقة باللسان ، ولكن بتشاهد القلوب وتناجي الأسرار ، وذلك نتيجة أكل الحلال ، وخلو القلب عن حب الدنيا ، والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة فمن أنكر ذلك قبل تجربة طريقه فهو جاهل ، كمن ينكر مثلا كون الدواء مسهلا قبل شربه . ومن أنكره بعد أن طال اجتهاده حتى بذل كنه مجهوده ولم يصل ، فأنكر ذلك لغيره ، كان كمن شرب المسهل فلم يؤثر في حقه خاصة لعلة في باطنه ، فأخذ ينكر كون الدواء مسهلا . وهذا وإن كان في الجهل دون الأول ، ولكنه ليس خاليا عن حظ واف من الجهل بل البصير أحد رجلين . إما رجل سلك الطريق فظهر له مثل ما ظهر لهم ، فهو صاحب الذوق والمعرفة ، وقد وصل إلى عين اليقين ، وإما رجل لم يسلك الطريق ، أو سلك ولم يصل ولكنه آمن بذلك وصدق به ، فهو صاحب علم اليقين ، وإن لم يكن واصلا إلى عين اليقين ولعلم اليقين أيضا رتبة ، وإن كان دون عين اليقين . ومن خلا عن علم اليقين وعين اليقين فهو خارج عن زمرة المؤمنين ، ويحشر يوم القيامة في زمرة الجاحدين المستكبرين ، الذين هم قتلي القلوب الضعيفة وأتباع الشياطين ، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من الراسخين في العلم القائلين آمنا به ، كل من عند ربنا ، وما يذكر إلا أولوا الألباب الشطر الثاني من الكتاب في الزهد وفيه بيان حقيقة الزهد ، وبيان فضيلة الزهد ، وبيان درجات الزهد وأقسامه وبيان تفصيل الزهد في المطعم ، والملبس ، والمسكن ، والأثاث ، وضروب المعيشة ، وبيان علامة الزهد بيان حقيقة الزهد اعلم أن الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين . وينتظم هذا المقام من علم وحال ، وعمل ، كسائر المقامات ، لأن أبواب الإيمان كلها كما قال السلف ترجع إلى عقد ، وقول وعمل . وكأن القول لظهوره أقيم مقام الحال ، إذ به يظهر الحال الباطن . وإلا فليس القول