الغزالي
108
إحياء علوم الدين
مرادا لعينه . وإن لم يكن صادرا عن حال سمي إسلاما ولم يسم إيمانا . والعلم هو السبب في الحال ، يجرى مجرى المثمر ، والعمل يجرى من الحال مجرى الثمرة . فلنذكر الحال مع كلا طرفيه من العلم والعمل . أما الحال فنعني بها ما يسمى زهدا . وهو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه . فكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنما عدل عنه لرغبته عنه . وإنما عدل إلى غيره لرغبته في غيره ، فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهدا ، وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحبا فإذا يستدعى حال الزهد مرغوبا عنه ، ومرغوبا فيه هو خير من المرغوب عنه وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضا مرغوبا فيه بوجه من الوجوه . فمن رغب عما ليس مطلوبا في نفسه لا يسمى زاهدا إذ تارك الحجر والتراب وما أشبهه لا يسمى زاهدا . وإنما يسمى زاهدا من ترك الدراهم والدنانير ، لأن التراب والحجر ليسا في مظنة الرغبة وشرط المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه ، حتى تغلب هذه الرغبة . فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشتري عنده خير من المبيع ، فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهدا فيه ، وبالإضافة إلى العوض عنه رغبة فيه وحبا . ولذلك قال الله تعالى * ( وشَرَوْه ُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيه ِ من الزَّاهِدِينَ « 1 » ) * معناه باعوه . فقد يطلق الشراء بمعنى البيع . ووصف إخوة يوسف بالزهد فيه ، إذ سمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم ، وكان ذلك عندهم أحب إليهم من يوسف ، فباعوه طمعا في العوض . فإذا كل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا . وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضا زاهد ولكن في الآخرة . ولكن العادة جارية بتخصيص اسم الزهد بمن يزهد في الدنيا ، كما خصص اسم الإلحاد بمن يميل إلى الباطل خاصة ، وإن كان هو للميل في وضع اللسان ولما كان الزهد رغبة عن محبوب بالجملة . لم يتصوّر إلا بالعدول إلى شيء هو أحب منه وإلا فترك المحبوب بغير الأحب محال . والذي يرغب عن كل ما سوى الله تعالى ، حتى الفراديس ، ولا يحب إلا الله تعالى ، فهو الزاهد المطلق . والذي يرغب عن كل حظ ينال في الدنيا ، ولم يزهد في مثل تلك الحظوظ في الآخرة ، بل طمع في الحور ، والقصور ، والأنهار
--> « 1 » يوسف : 20