الغزالي
106
إحياء علوم الدين
بترك السؤال قد أثنى عليهم غاية الثناء . فقال شقيق هكذا تركت كلاب بلخ عندنا . فقال له إبراهيم : فكيف الفقراء عندك يا أبا إسحاق فقال : الفقراء عندنا إن منعوا شكروا ، وإن أعطوا آثروا . فقبل رأسه وقال صدقت يا أستاذ . فإذا درجات أرباب الأحوال في الرضا والصبر ، والشكر ، والسؤال كثيرة . فلا بد لسالك طريق الآخرة من معرفتها ، ومعرفة انقسامها واختلاف درجاتها ، فإنه إذا لم يعلم لم يقدر على الرقي من حضيضها إلى قلاعها ، ومن أسفل سافلين إلى أعلى عليين . وقد خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رد إلى أسفل سافلين ، ثم أمر أن يترقى إلى أعلى عليين . ومن لا يميز بين السفل والعلو لا يقدر على الرقي قطعا . وإنما الشك فيمن عرف ذلك ، فإنه ربما لا يقدر عليه وأرباب الأحوال قد تغلبهم حالة تقتضي أن يكون السؤال مزيدا لهم في درجاتهم ، ولكن بالإضافة إلى حالهم . فإن مثل هذه الأعمال بالنيات ، وذلك كما روي أن بعضهم رأى أبا إسحاق النوري رحمه الله يمد يده ويسأل الناس في بعض المواضع ، قال فاستعظمت ذلك واستقبحته له ، فأتيت الجنيد رحمه الله فأخبرته بذلك فقال . لا يعظم هذا عليك ، فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم ، وإنما سألهم ليثيبهم في الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضرهم . وكأنه أشار به إلى قوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « يد المعطى هي العليا » فقال بعضهم يد المعطى هي يد الآخذ للمال ، لأنه يعطى الثواب والقدر له لا لما يأخذه . ثم قال الجنيد . هات الميزان . فوزن مائة درهم ، ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ، ثم قال احملها إليه . فقلت في نفسي إنما يوزن الشيء ليعرف مقداره ، فكيف خلط به مجهولا وهو رجل حكيم ؟ واستحييت أن أسأله . فذهبت بالصرة إلى النوري ، فقال هات الميزان ، فوزن مائة درهم وقال ردها عليه ، وقل له أنا لا أقبل منك أنت شيئا . وأخذ ما زاد على المائة قال فزاد تعجبي ، فسألته فقال . الجنيد رجل حكيم ، يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه ، وزن المائة لنفسه طلبا لثواب الآخرة ، وطرح عليها قبضة بلا وزن لله عز وجل . فأخذت ما كان لله تبارك وتعالى ، وردت ما جعله لنفسه . قال فرددتها إلى الجنيد فبكى وقال . أخذ ماله ورد مالنا ، الله المستعان