الغزالي

105

إحياء علوم الدين

وخوف الفوت ، وتراخي المدة التي فيها يحتاج إلى السؤال وكل ذلك لا يقبل الضبط ، وهو منوط باجتهاد العبد ونظره لنفسه بينه وبين الله تعالى فيستفتى فيه قلبه ، ويعمل به إن كان سالكا طريق الآخرة . وكل من كان يقينه أقوى ، وثقته بمجيء الرزق في المستقبل أتم ، وقناعته بقوت الوقت أظهر ، فدرجته عند الله تعالى أعلى . فلا يكون خوف الاستقبال وقد آتاك الله قوت يومك لك ولعيالك إلا من ضعف اليقين والإصغاء إلى تخويف الشيطان . وقد قال تعالى * ( فَلا تَخافُوهُمْ وخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 1 » ) * وقال عز وجل * ( الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ويَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ والله يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْه ُ وفَضْلًا « 2 » ) * والسؤال من الفحشاء التي أبيحت بالضرورة . وحال من يسأل لحاجة متراخية عن يومه وإن كان مما يحتاج إليه في السنة ، أشد من حال من ملك مالا موروثا وادخره لحاجة وراء السنة . وكلاهما مباحان في الفتوى الظاهرة ، ولكنهما صادران عن حب الدنيا ، وطول الأمل ، وعدم الثقة بفضل الله . وهذه الخصلة من أمهات المهلكات ، نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه بيان أحوال السائلين كان بشر رحمه الله يقول : الفقراء ثلاثة : فقير لا يسأل وإن أعطي لا يأخذ . فهذا مع الروحانيين في عليين ، وفقير لا يسأل وإن أعطى أخذ . فهذا مع المقربين في جنات الفردوس وفقير . يسأل عند الحاجة ، فهذا مع الصادقين من أصحاب اليمين . فإذا قد اتفق كلهم على ذم السؤال ، وعلى أنه مع الفاقة يحط المرتبة والدرجة قال شقيق البلخي لإبراهيم بن أدهم حين قدم عليه من خراسان : كيف تركت الفقراء من أصحابك ؟ قال تركتهم إن أعطوا شكروا ، وإن منعوا صبروا . وظن أنه لما وصفهم

--> « 1 » آل عمران : 175 « 2 » البقرة : 268