وهبة الزحيلي

17

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وثانيها - إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة ؛ لما في ذلك من تحقق التهمة . وأجازها أبو حنيفة قال : لأنها لا تراعى كل تهمة ، والمسلمون كلهم عنده على العدالة . وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا ، قال القرطبي : وهو الصحيح . وثالثها - أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة ؛ لجهلهم بالسنة ، وتركهم الجمعة . وقال الشافعي والحنيفة : الصلاة خلف الأعرابي جائزة . ومن الأعراب جماعة منافقون يعدون النفقة خسارة ، وينتظرون أن تحيط الدواهي والمصائب والحوادث بالمسلمين ليتخلصوا من الإنفاق . فقوله : وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ يعني الموت والقتل ، وانتظار موت الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وانتصار المشركين . ولكن الأمر سيكون بالعكس مما يتوقعون ، فعليهم وحدهم دائرة العذاب والبلاء . وبعض آخرون من الأعراب مؤمنون ، وصفهم اللّه بوصفين : الأول : كونهم مؤمنين باللّه واليوم الآخر ، وهذا دليل على أنه لا بد في جميع الطاعات حتى الجهاد من تقدم الإيمان . والثاني : كونهم ينفقون أموالهم تقربا إلى اللّه تعالى ، وبقصد التوصل إلى صلوات الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أي استغفاره ودعائه ؛ لأن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ، ويستغفر لهم ، كقوله : « اللهم صلّ على آل أبي أوفى » وقال تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ كما تقدم . وقد شهد اللّه تعالى بقوله : أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات ، أي إن نفقاتهم تقربهم من رحمة اللّه ، وذلك حاصل لهم ، وهو وعد من اللّه ، واللّه لا يخلف الميعاد .