وهبة الزحيلي

15

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ومن الأعراب أناس ينفقون أموالهم رياء أو تقيّة ، وتقربا للمسلمين ويعدون ذلك مغرما وخسارة ؛ لأنهم لا يرجعون به ثوابا عند اللّه ، وينتظرون بكم الحوادث والآفات ، فيتخلصون من الإنفاق ، وقد كانوا يتوقعون انتصار المشركين على المؤمنين ، فلما يئسوا انتظروا موت النبي صلى اللّه عليه وسلّم ظنا منهم أن الإسلام ينتهي بموته . روي أنهم أسد وغطفان كانوا يفعلون ذلك . فرد اللّه عليهم : عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ أي هي منعكسة عليهم ، والسوء دائر عليهم وحدهم ، أو أن هذا دعاء عليهم بنحو ما ينتظرونه في المسلمين ، وقد تحقق هذا الدعاء ، فدارت دائرة السوء والشر عليهم ، وأصيبوا بالهزيمة والخيبة والخذلان ، واللّه سميع لما يقولون عند الإنفاق ، ولدعاء عباده عليهم ، عليم بما يضمرون وبمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان ، كما قال تعالى : قُلْ : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا [ التوبة 9 / 52 ] . وكما أن في الأعراب كفارا ومنافقين ، فيهم أيضا مؤمنون لقوله تعالى : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ . . . أي وبعض آخر من الأعراب يؤمنون إيمانا صحيحا ، مثل جهينة ومزينة ، وبنو أسلم وغفار ، وقال مجاهد : هم بنو مقرّن من مزينة ، وهم الذين قال اللّه فيهم : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ وهؤلاء الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل اللّه قربة يتقربون بها عند اللّه تعالى ، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم ، أي صلواته . ألا إن ذلك قربة حاصلة لهم ، وهذا شهادة من اللّه بصحة معتقدهم ، وتصديق لرجائهم وتمنيهم ، على الاستئناف مع حرف التنبيه ، وإنّ المحققة للنسبة . وضمير إِنَّها لنفقتهم . سيدخلهم اللّه في رحمته أي في جنته ورضوانه ، وهذا وعد لهم بإحاطة الرحمة