وهبة الزحيلي

14

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المناسبة : بعد أن ذكر اللّه تعالى أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم بالمدينة ، ذكر أحوال الأعراب خارج المدينة وهم سكان البادية ، وأخبر أن في الأعراب كفارا ومنافقين ومؤمنين . ويرى الرازي أن هذه الآيات كسابقتها مباشرة تخاطب منافقي الأعراب وأصحاب البوادي أي الصحاري . ويرى المفسرون الآخرون أن ما سبق كله في منافقي المدينة وهذا في منافقي الأعراب . التفسير والبيان : إن كفر بعض الأعراب سكان البادية ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد ، وأحرى وأولى ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله أي فرائض الشرع ؛ لأنهم أغلظ طبعا وأقسى قلبا ، وأكثر جهلا ، روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن » و رواه أبو داود والبيهقي أيضا عن أبي هريرة مرفوعا ، وزاد فيه : « وما ازداد أحد من سلطانه قربا إلا ازداد من اللّه بعدا » لأن السلاطين لا يريدون غالبا النصح وصراحة القول ، فلا يتقرب منهم إلا المراؤون عادة . واللّه عليم واسع العلم بأحوال خلقه من أهل المدن والبوادي ، حكيم فيما شرعه لهم وفيما يجازي محسنهم ثوابا ومسيئهم عقابا . وليس هذا طعنا في الأعراب وإنما هو وصف لأحوالهم ، وذم لواقعهم ما داموا راضين به ، وكل من نزل البادية فهم أعراب . وأما من استوطن القرى والبلاد فهم عرب ، ولا يقال للمهاجرين والأنصار أعراب ، إنما هم عرب ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « حب العرب إيمان » « 1 » .

--> ( 1 ) حديث ضعيف رواه الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك .