وهبة الزحيلي

16

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لا يغتر بالزمان ، وتكون الشدائد والمصائب صقلا له ، وتمحيصا لنفسه ، وتربية لها ، والكافر إذا مسه الشر يئس ، وإذا مسه الخير بطر واستكبر وبغى في الأرض ، فكانت عاقبته الدمار . فقه الحياة أو الأحكام : الحلم والإمهال من خصائص صنع اللّه وسنته الدائمة في خلقه ، لكي يتعظوا بالأحداث ويصححوا مسيرتهم في الحياة ، ويقلعوا عما هم عليه من معاص وموبقات . والابتلاء يكون بالشر وبالخير : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ، وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ [ الأنبياء 21 / 35 ] والعاقل المفكر المتدبر أحوال الماضي وتقلبات المستقبل هو الذي يستفيد من دروس الحياة : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأعراف 7 / 168 ] . ودل قوله تعالى : لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ في رأي المعتزلة : على أنه تعالى أراد من كل المكلفين الإيمان والطاعة . وقال أهل السنة : إن اللّه يدبر أهل القرى بما يكون إلى الإيمان أقرب ، لقوله تعالى : ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ لأن ورود النعمة في البدن والمال بعد البأساء والضراء ، يدعو إلى الانقياد والاشتغال بالشكر . ولكن الناس لا يعتبرون ، فبالرغم من أنه تعالى أخذهم بالشدة والرخاء ، فلم يزدجروا ولم يشكروا ، وهذا يدل على أنهم لم ينتفعوا بما دبرهم اللّه عليه من رخاء بعد شدة ، وأمن بعد خوف ، بل رأوا أن هذه عادة الزمان في أهله ، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد ، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة . أما الحق تعالى فقد أزال عذرهم وأمهلهم ، لكنهم لم ينقادوا ولم ينتفعوا بذلك الإمهال .