وهبة الزحيلي
15
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
حَتَّى عَفَوْا أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم ، يقال : عفا الشيء : إذا كثر ، وذلك لأن الرخاء يكون عادة سببا في كثرة النسل . وَقالُوا : قَدْ مَسَّ . . . أي ابتليناهم بالشدة والرخاء ليتضرعوا وينيبوا إلى اللّه ، فما أفاد هذا ولا هذا ، وقالوا غير معتبرين بالأحداث : قد مسّنا من البأساء والضراء ، وما بعده من الرخاء ، مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان ، ولم يتفهموا سنن اللّه في تهيئة الأسباب للسعادة والشقاء في البشر . وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون اللّه على السراء ويصبرون على الضراء ، كما ثبت في الصحيحين : « عجبا لأمر المؤمن ، لا يقضي اللّه له قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته ضرّاء صبر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته سرّاء شكر ، فكان خيرا له » فالمؤمن يتنبه لما ابتلاه للّه به من الضراء والسراء ، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد : « لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيا من ذنوبه ، والمنافق مثله كمثل الحمار ، لا يدري فيم ربطه أهله ، ولا فيم أرسلوه » . وتغيير الحال من سوء إلى حسن أمر ضروري للتخلص من البلاء ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [ الرعد 13 / 11 ] . أما مصير غير المعتبرين بأحداث الزمان وتقلباته فكما ذكر تعالى : فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً . . أي فكان عاقبة أمرهم أنا أخذناهم أي عاقبناهم بالعقوبة على بغتة ، أي فجأة ، من غير شعور منهم بما سينزل بهم من العقاب ، ليكون أكثر حسرة ، كما في قوله تعالى : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ، فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا ، أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [ الأنعام 6 / 44 ] وكما جاء في الحديث الذي رواه أحمد والبيهقي عن عائشة : « موت الفجأة رحمة للمؤمن ، وأخذة أسف للكافر » . فما على الناس مؤمنين وكفارا إلا الاتعاظ بما حل بغيرهم ، فالمؤمن باللّه