وهبة الزحيلي

14

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

المناسبة : لما ذكر اللّه تعالى أحوال الأنبياء مع أقوامهم ، وما حلّ بهم من العذاب ، بيّن في هذه الآية أن جنس هذا الهلاك أو الاستئصال لم يقتصر على زمن هؤلاء الأنبياء فقط ، وإنما قد فعله بغيرهم ، وبيّن أيضا سنته الإلهية في الانتقام ممن كذّب الأنبياء ، وهي التدرج بهم من التضييق عليهم بالبأساء ( شدة الفقر ) والضراء ( المرض ونحوه ) ثم إلى السعة والرخاء والرفاه ، ثم يأتي إنزال العذاب فجأة من غير شعور بمجيئه . وفي ذلك تحذير لقريش وأمثالهم وتخويفهم ، وحمل لهم على الإيمان برسالة المصطفى عليه الصلاة والسلام . التفسير والبيان : يخبر اللّه تعالى عن سنته المتبعة في تعذيب الأمم والشعوب الضالة ، سواء في زمن الأنبياء أو في غير زمنهم ، وتلك السنة فيها إنذار وإعذار ، ومقدمات توحي بضرورة تغيير الأوضاع ، والانتقال من الكفر والضلال إلى الإيمان والهدى . والمعنى : إننا إذا أرسلنا نبيا إلى قوم ، فكذبوه ، فلا نعاجلهم بالعذاب ، وإنما نتدرج في إمهالهم وتذكيرهم بتقليب الأحوال ، فنبدؤهم بالعقاب بإنزال شيء من الشدة والمكروه ، بتعريضهم لسوء الحال المادية وإفقارهم ، ثم بتسليط الأمراض والبلايا والأسقام عليهم ، أو بالعكس ، المرض أولا ، ثم الفقر ، لكي يتضرعوا أي يدعوا اللّه ويخشعوا ويبتهلوا إلى اللّه تعالى في كشف ما نزل بهم . ثُمَّ بَدَّلْنا . . . : ثم حولنا الحال من شدة إلى رخاء ، ومن فقر إلى غنى ، ومن مرض إلى صحة وعافية ، ليشكروا على ذلك فما فعلوا . فالسيئة : كل ما يسوء صاحبه ، والحسنة : ما يستحسنه الطبع والعقل .