وهبة الزحيلي
13
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
التمييز بين المطيع والعاصي ، واختصاص العذاب بقوم دون قوم من أعظم المعجزات لشعيب عليه السلام . سنة الله في التضييق والتوسعة قبل إهلاك الأمم [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 94 إلى 95 ] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 95 ) البلاغة : مِنْ نَبِيٍّ فيه حذف وإضمار ، والتقدير : من نبي فكذّب أو كذبه أهلها . مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ و بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ بينهما طباق . المفردات اللغوية : قَرْيَةٍ مدينة جامعة تجمع الزعماء كالعاصمة ، وإنما ذكر القرية ؛ لأنها مجتمع القوم الذين يبعث الرسل إليهم ، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة ؛ لأنها مجتمع الأقوام من نبي أي فكذبوه أَخَذْنا عاقبنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ البأساء : الشدة والمشقة كالحرب والجدب وشدة الفقر ، والضراء : ما يضر الإنسان في نفسه أو معيشته كالمرض ، وقيل : في كل بالعكس . لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ يتذللون فيؤمنوا . وقوله لعلهم لا يمكن حمله على الشك في حق اللّه تعالى ، فيحمل على أن المراد أنه تعالى فعل هذا الفعل لكي يتضرعوا . والتضرع : إظهار الضراعة أي الضعف والخضوع . ثُمَّ بَدَّلْنا أعطيناهم مَكانَ السَّيِّئَةِ العذاب الْحَسَنَةَ الغنى والصحة حَتَّى عَفَوْا كثروا ونموا ، من قولهم : عفا النبات والشعر : إذا كثر وَقالُوا كفرا للنعمة قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ كما مسنا ، وهذه عادة الدهر ، وليست بعقوبة من اللّه ، فكونوا على ما أنتم عليه فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أخذناهم بالعذاب فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بوقت مجيئه قبله .