وهبة الزحيلي
12
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ووجه تعلق قوله تعالى : وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً بما قبله : أنه ربما كان في علمه تعالى حصول أمر ثالث غير الإخراج والعود إلى الملة ، وهو البقاء في هذه القرية من غير أن نعود إلى ملتكم ، ويجعلكم مقهورين تحت أمرنا ، خاضعين تحت حكمنا . ودل قوله تعالى : وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً على أنه تعالى كان عالما في الأزل بجميع الأشياء ؛ لأن قوله : وسع فعل ماض ، فيتناول كل ماض ، بل إنه يتناول علم الحاضر والمستقبل وعلم المعدوم ؛ لأن التعبير بالماضي يفيد الجزم بحصول العلم بكل الأشياء . ودل قوله تعالى : عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ، رَبَّنَا افْتَحْ . . . على أن النبي وكل مؤمن ينبغي أن يظل على صلة باللّه وتفويض كامل في أموره له ، فقوله : عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا يفيد الحصر ، أي عليه توكلنا لا على غيره ، وقوله : رَبَّنَا افْتَحْ . . . يراد به تفويض الحكم إلى اللّه والدعاء له واللجوء إليه ، وقوله : و أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ يراد به الثناء على اللّه تعالى . واستدل الأشاعرة بقوله : وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ على أنه تعالى هو الذي يخلق الإيمان في العبد . ودلت آية لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً على أن قوم شعيب استحقوا عذاب الإهلاك أو الاستئصال بأمرين : الكفر أو الضلال ، والإضلال لغيرهم أو الإغواء . وتعذيبهم كان بالرجفة ( وهي الزلزلة الشديدة المهلكة ) وبالصيحة ( وهي الصوت الشديد المهلك ) معا التي تلازم الرجفة ولا تنفك عنها . وذلك العذاب كان مختصا بأولئك المكذبين ، ونجّى اللّه المؤمنين ، وذلك يدل على ثلاثة أمور : أن ذلك العذاب إنما حدث بخلق فاعل مختار ، وليس أثر الكواكب والطبيعة ، وإلا لعم أتباع شعيب ، وذلك الفاعل المختار عالم بجميع الجزئيات ، حتى يمكنه