وهبة الزحيلي

11

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : كان من أثر دعوة شعيب خطيب الأنبياء قومه إلى عبادة اللّه وترك أكل أموال الناس بالباطل ، أنهم واجهوه بالتخيير بين أمرين خطيرين : إما الطرد والجلاء ، وإما الصيرورة إلى ملتهم ، وهذا هو المقصود بقولهم : أَوْ لَتَعُودُنَّ أي لتصيرن إلى ملتنا ، فوقع العود بمعنى الابتداء ، تقول العرب : قد عاد إليّ من فلان مكروه ، يريدون قد صار إلي منه المكروه ، ولا يعني ذلك أن شعيبا كان قبل النبوة على ملتهم ، فهو معصوم من الكفر ، وكذلك كان خطاب شعيب من قبيل التغليب ، فإنهم خاطبوه بخطاب أتباعه ، وأجروا عليه أحكامهم . والحزم يقابله الحزم والإصرار ، فكان رد شعيب حاسما وقاطعا بأنه لن يفعل ما يريدون ، ولن يعود أي يصير إلى ملتهم ، فإنه إن فعل ذلك بعد أن تبين له الحق ، فقد افترى على الله ، وكذلك كان أتباعه صريحين صارمين ، وجوابه جوابهم . وهذا نابع من أصل النبوة والرسالة ، فإنها تتميز بصدق اللهجة ، والبراءة عن الكذب ، فالعود في ملتهم يبطل النبوة ، ويزيل الرسالة . وقد نظم شعيب نفسه مع قومه بقوله : إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها أي من الملة ، وإن كان بريئا منها ، إجراء للكلام على حكم التغليب ، كما ذكروا في كلامهم : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا . وتمسك الأشاعرة بقوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ على أنه تعالى قد يشاء الكفر ؛ لأن المعنى : إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى ملتكم ، وكانت تلك الملة كفرا . وقال المعتزلة : لا يشاء تعالى إلا الخير والصلاح ؛ لأن هذا الاستثناء وهو : إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى ملتكم قضية شرطية ، وليس فيها بيان أنه تعالى شاء ذلك أو ما شاء ، وهذا أيضا مذكور على سبيل التبعيد ، كما يقال : لا أفعل ذلك إلا إذا ابيضّ القار ( الزفت ) وشاب الغراب .