وهبة الزحيلي

21

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وأخرج أبو الشيخ ابن حيان عن يعلى بن مسلم قال : سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية . . قال : اقرأ ما قبلها فقرأت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ . . إلى قوله : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ . المناسبة : هذه متعلّقة بما قبلها ؛ لأن اللّه تعالى بعد أن نهى عن تحريم الطّيّبات بسبب قوم أرادوا الزّهد والتّقشّف والتّرهّب في الحياة تقرّبا إلى اللّه ، سألوا النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم عمّا يصنعون بأيمانهم التي حلفوها ، فأجابهم اللّه عزّ وجلّ بإنزال حكم كفارة الأيمان . التفسير والبيان : لا مؤاخذة بالأيمان التي تحلف بلا قصد ، ولا يتعلّق بها حكم ، وهي اليمين اللغو : وهي التي تسبق على لسان الحالف من غير قصد ، قالت عائشة : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « هو كلام الرحل في بيته : لا واللّه ، وبلى واللّه » . وهذا مذهب الشافعي ، وقال باقي الأئمة ( الجمهور ) : هي أن يخبر عن الماضي أو عن الحال على الظّنّ أن المخبر به كما أخبر ، وهو بخلافه ، في النّفي والإثبات . بدليل ما روي عن ابن عباس في لغو اليمين : أن تحلف على الأمر أنه كذلك وليس كذلك ، وهو مروي أيضا عن مجاهد : هو الرجل يحلف على الشيء أنه كذلك ، وليس كما ظنّ . ولكن يؤاخذكم باليمين المنعقدة : وهي التي يحدث الحلف فيها على أمر في المستقبل بتصميم وقصد أن يفعله أو لا يفعله . وهناك نوع ثالث هي اليمين الغموس : وهي في رأي الحنفية : اليمين الكاذبة قصدا في الماضي أو في الحال . فتصير الأيمان ثلاثة أنواع : يمين لغو ، ويمين منعقدة ، ويمين غموس . أخرج الطبري عن أبي مالك قال : الأيمان ثلاث : يمين تكفر ، ويمين لا تكفر ، ويمين لا يؤاخذ بها صاحبها ، فأما اليمين التي تكفر : فالرجل يحلف على الأمر لا يفعله ثم يفعله ، فعليه