وهبة الزحيلي

69

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ . . أي لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد ، وذلك عام الحديبية ، على أن تتعدوا حكم اللّه ، فتقتصوا منهم ظلما وعدوانا ، بل احكموا بما أمركم اللّه به من العدل في حق كل أحد « 1 » . وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ : وهو كل خير أمر به الشرع أو نهى عنه من المنكرات ، أو اطمأن إليه القلب ، ولا تتعاونوا على الإثم وهو الذنب والمعصية : وهي كل ما منعه الشرع ، أو حاك في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس . ولا تتعاونوا على التعدي على حقوق الغير . والإثم والعدوان يشمل كل الجرائم التي يأثم فاعلها ، ومجاوزة حدود اللّه بالاعتداء على القوم . واتقوا اللّه بفعل ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه . إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصى وخالف . وإظهار اسم الجلالة هنا في موضع الإضمار لإدخال الروعة والخوف وتربية المهابة في القلوب . وهذا من جوامع الكلم الشامل لكل خير وشر ومعروف ومنكر مع رقابة اللّه في السر والعلن . فقه الحياة أو الأحكام : هاتان الآيتان تضمنت أصول الإسلام في المعاملات والعلاقات الاجتماعية ، وفيهما من الفصاحة وكثرة المعاني مع قلة الألفاظ ما لا يخفى على أحد . والآية الأولى تضمنت خمسة أحكام : 1 - الأمر بالوفاء بالعقود التي يتعاقد بها الناس ، ووجوب الوفاء بالتكاليف

--> ( 1 ) وورد تعبير مماثل في آية أخرى هي : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة 5 / 8 ] أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل ، فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال ، والعدل : به قامت السماوات والأرض ، والعدل أقرب للتقوى .