وهبة الزحيلي

274

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : دلت الآيات على كفر كل فرق وطوائف ومذاهب النصارى ، سواء قالوا : إن المسيح ثالث ثلاثة ، أو إن المسيح ابن اللّه ، أو إن اللّه هو المسيح عيسى ابن مريم ؛ لأنهم في النتيجة يقولون : أب وابن وروح القدس إله واحد ، ولا يقولون : ثلاثة آلهة ، وهو معنى قولهم جميعا ، وإنما يمتنعون من عبارة التثليث ولا يصرحون بها لفظا ، وهي لازمة لقولهم ؛ لأنهم يقولون : إن الابن إله ، والأب إله ، وروح القدس إله . فرد اللّه عليهم بأن الإله لا يتعدد ، وإن لم يكفوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ، فليتوبوا إليه ، وليسألوه ستر ذنوبهم . والمراد الكفرة منهم ؛ لأنهم القائلون بالتعدد ، دون المؤمنين . وما المسيح في حقيقته ، وإن ظهرت المعجزات أو الآيات على يديه ، كما جاءت بها بقية الرسل ، إلا عبد اللّه ورسول من عنده ، فإن كان إلها فليكن كل رسول إلها . وهذا رد قاطع لقولهم واحتجاج عليهم . ومن تتمة الحجة أن المسيح وأمه الصديقة كانا يأكلان الطعام ، أي أنه مولود مربوب ، ومن ولدته النساء ، وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر المخلوقين ، فمتى يصلح المربوب أن يكون ربا ؟ ! وفي هذا دلالة على أنهما بشران . وقولهم : كان يأكل الطعام بناسوته « البشري » لا بلاهوته ، أي أن له طبيعتين : بشرية وإلهية ، فهذا منهم اختلاط إله بغير إله ، ولو جاز اختلاط القديم بالمحدث ، لجاز أن يصير القديم محدثا ، ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره ، حتى يقال : اللاهوت مخالط لكل محدث . وعقب اللّه تعالى على اعتقاد النصارى : انظر كيف نبين لهم الدلالات على