وهبة الزحيلي
265
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
يسرّ إلى أحد شيئا من أمر الدين ؛ لأن المعنى بلّغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا . قال ابن عباس : « المعنى بلّغ جميع ما أنزل إليك من ربك ، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته » وهذا تأديب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته ، وقد علم اللّه تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه . ودلت آية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ على نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأن اللّه عز وجل أخبر أنه معصوم ، ومن ضمن سبحانه له العصمة ، فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره اللّه به . ودلت آية : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي لا يرشدهم على أن التوفيق إلى الخير والسعادة محجوب من اللّه عن الذين كفروا ، فهم بسبب كفرهم حجبوا رحمة اللّه عنهم . ودلت آية قُلْ : يا أَهْلَ الْكِتابِ . . على أن اليهود والنصارى ليسوا في الواقع على شيء من الدين حتى يعملوا بما في التوراة والإنجيل والقرآن ، فيؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ويعملوا بما يوجبه ذلك عليهم من الكتابين . ومن كفر يزيده اللّه كفرا على كفره ، ويزيده طغيانا أي تجاوزا الحد في الظلم والغلو فيه . والعبرة للمسلم من هذه الآية أن يعلم أنه لا يكون على شيء يعتد به من أمر الدين حتى يقيم القرآن ، فيهتدي بهديه ، ويلتزم بحدوده . وأومأت آية : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا . . إلى أن أهل الكتاب لم يقيموا دين اللّه ، فلا حفظوا نصوص الكتب المنزلة ، ولا تركوا ما عندهم على ظواهرها بل أولوها تأويلا فاسدا ، ولا آمنوا باللّه واليوم الآخر ، ولا عملوا الصالحات .