وهبة الزحيلي
97
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
باللّه نصيرا لمن استنصره ، ومعينا يدفع شرهم عنكم ، فهو سبحانه الذي يرشدكم إلى ما فيه خيركم وفلاحكم ، وهو الذي ينصركم على أعدائكم بتوفيقكم لصالح العمل والهداية لأسباب النصر من التعاون وإعداد وسائل القوة الحربية ، فلا تطلبوا الولاية من غيره ، ولا النصرة من سواه . وأما الذي يعملون به من التوراة : فهو ما أضاعوه ونسوه ، وما تركوا العمل به من الأحكام الباقية لديهم . ثم بيّن اللّه تعالى المراد بأولئك الذين أوتوا الكتاب بقوله : مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي اليهود ، و مِنَ هنا لبيان الجنس كقوله : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج 22 / 30 ] وهم قوم يحرفون الكلم الذي أنزله اللّه في التوراة عن مواضعه الأصلية ، إما بأن يحملوه على غير معناه الذي وضع له ، كتأويل البشارات الواردة في النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتأويل ما ورد في المسيح وحمله على شخص آخر ، لا يزالون ينتظرونه إلى اليوم ، وإما بنقل كلمة أو جملة من الكتاب ووضعها فيه في موضع آخر ، فقد خلطوا ما أثر عن موسى عليه السلام بما كتب بعده بزمن طويل ، كما خلطوا كلام غيره من أنبيائهم بكلام آخر دوّنه واضعو التوراة الحالية ، بدلا عن التوراة المفقودة باعترافهم . وكانوا يقصدون بهذا التحريف الإصلاح في زعمهم ، ومنشأ ذلك أنه وجدت عندهم قراطيس متفرقة من التوراة بعد فقد النسخة الأصلية التي كتبها موسى عليه السلام ، وأرادوا أن يؤلفوا بينها ، فخلطوا فيها بالزيادة والتكرار ، كما أثبت المؤرخون الباحثون الثقات ، مثل الشيخ رحمة اللّه الهندي في كتابه « إظهار الحق » . ويقول هؤلاء اليهود للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : سمعنا قولك وعصينا أمرك ، قال مجاهد : إنهم قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : سمعنا قولك ، ولكن لا نطيعك . وكانوا يقولون أيضا