وهبة الزحيلي

98

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

حسدا وحقدا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ يدعون عليه بقولهم : لا أسمعك اللّه ، أو غير مسمع دعاؤك ، أو غير مقبول منك ، بدلا من أن يقولوا أدبا : « لا سمعت مكروها » . وكانوا يقولون كذلك : راعِنا اسم فاعل من الرعونة أي الطيش والحمق ، أو هي « راعينا » كلمة سب وطعن عندهم ، بدلا من أن تستعمل بمعنى : أنظرنا وتمهل علينا . وقد نهى اللّه المؤمنين أن يستعملوا هذه الكلمة بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا : راعِنا ، وَقُولُوا : انْظُرْنا [ البقرة 2 / 104 ] . هذه جرائم ثلاث ارتكبوها مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إما في مجلسه أو بعيدا عنه ، بدافع الحسد والحقد ، أو الاستهزاء والسخرية ، يستعملون كلاما محتملا معنيين ، وهم يريدون به الشتيمة والإهانة ، لا التوقير والاحترام والتكريم ، ليا بألسنتهم وفتلا بها وصرفا للكلام عن إرادة الخير إلى إرادة الشر والسب ، وطعنا في الإسلام وقدحا فيه ، فيوهمون أنهم يقولون : راعنا سمعك بقولهم : راعِنا وإنما يريدون الرعونة بسبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا منتهى الوقاحة والجرأة على الباطل . ومن تحريف لسانهم تحيتهم بقولهم : « السام - الموت - عليكم » يوهمون بفتل اللسان أنهم يقولون : « السلام عليكم » فيجيبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « وعليكم » أي كل أحد يموت . قال ابن عطية : وهذا موجود حتى الآن في اليهود ، وقد شاهدناهم يربون أولادهم الصغار على ذلك ، ويحفّظونهم ما يخاطبون به المسلمين ، مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير « 1 » . ثم وجّه الحق تعالى إلى الخطاب الأمثل فذكر : ولو أنهم قالوا : سمعنا وأطعنا ، واسمع منا ما نقول وانظرنا ، أي أمهلنا وانتظرنا ولا تعجل حتى نتفهم

--> ( 1 ) البحر المحيط : 3 / 264