وهبة الزحيلي

324

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

والخطاب في قوله : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ . . عام لجميع من أظهر الإيمان من محقّ ومنافق ؛ لأنه إذا أظهر الإيمان ، فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب اللّه . وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود ، فيسخرون من القرآن . ودل قوله تعالى : فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ - أي غير الكفر - إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر ؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم ، والرضا بالكفر كفر . قال اللّه عز وجل : إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ فكل من جلس في مجلس معصية ، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء ، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها ، فإن لم يقدر على النكير عليهم ، فينبغي أن يقوم عنهم ، حتى لا يكون من أهل هذه الآية . وإذا ثبت تجنّب أصحاب المعاصي ، فتجنب أهل البدع والأهواء أولى . 8 - موقف المنافقين موقف ضعيف يستدعي العجب والسخرية والطرد من الجانبين : فإنهم كانوا يطمعون في غنائم المسلمين متذرعين بأنهم مظاهرون لهم ومؤيدون جهادهم . وكذلك كانوا يطمعون في غنائم الكفار متذرعين بأنهم دافعوا عنهم وخذلوا عنهم المسلمين ، حتى هابهم المسلمون . والآية : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ . . تدل على أن المنافقين كانوا يخرجون في الغزوات مع المسلمين ، ولهذا قالوا : أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ؟ . وتدل على أنهم كانوا لا يعطونهم الغنيمة ، ولذا طالبوها وقالوا : أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ؟ ويحتمل أن يريدوا بقولهم : أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ الامتنان على المسلمين ، أي كنا نعلمكم بأخبارهم ، وكنا أنصارا لكم « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 5 / 419