وهبة الزحيلي

194

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يقاتلوكم ، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم ، بل هم لا لكم ولا عليكم ، وهم بتعبير العصر : المحايدون ، فهم لا يقاتلون المسلمين بمقتضى العهد ، ولا يقاتلون قومهم ، حفاظا على أصل الرابطة العرقية أو الجنسية معهم ، فهم قومهم ، وهم بذلك معذورون . وكلا الفريقين يعاملون بقوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ، وَلا تَعْتَدُوا ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [ البقرة 2 / 190 ] . وكان من رحمة اللّه ولطفه بكم أن سالموكم وكفّ بأس هذين الفريقين عنكم ، ولو شاء اللّه لسلطهم عليكم بأن يلهمهم القتال فيقاتلوكم . فإن اعتزلكم هؤلاء وأمثالهم فلم يقاتلوكم ، وألقوا إليكم المسالمة ، فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك . وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين ، فحضروا القتال ، وهم كارهون ، كالعباس ونحوه ، ولهذا نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذ عن قتل العباس وأمر بأسره . قال الزمخشري : فقرر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي التعرض عنهم وترك الإيقاع بهم . ثم بيّن اللّه تعالى حكم جماعة أخرى موافقة في الظاهر للفئة السابقة ، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك ، فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولأصحابه الإسلام ، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ( النساء والصبيان ) ويصانعون الكفار في الباطن ، فيعبدون معهم ما يعبدون ، ليكونوا في أمان من المسلمين ، وهم في الباطن مع الكفار « 1 » ، كما قال تعالى : وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة 2 / 14 ] وقال هاهنا : كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها أي كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ، أركسوا فيها ، أي قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه وانهمكوا فيها ، وكانوا شرا فيها من كل عدو ، كما قال

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 1 / 533