وهبة الزحيلي

184

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

السلام ورحمة اللّه وبركاته » ثم جاء آخر فقال : السلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته ، فقال له : « وعليك » فقال له الرجل : يا نبي اللّه ، بأبي أنت وأمي ، أتاك فلان وفلان ، فسلما عليك ، فرددت عليهما أكثر مما رددت علي ، فقال : « إنك لم تدع لنا شيئا » قال اللّه تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ، فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها فرددناها عليك » . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها ، وهذا تأكيد لإشاعة السلام ووجوب رد التحية على من سلّم . روى أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم : أفشوا السلام بينكم » . ثم بيّن اللّه تعالى أنهم مجزيون على التحية والجهاد وأعمال الخير والشفاعة ، فقرر أن المرجع والمصير إلى اللّه الواحد الأحد ، وأن البعث والجزاء في الدار الآخرة ثابت . وهذه الآية تقرر ركنين أساسيين للدين وهما : إثبات التوحيد وإخباره تعالى بتفرده بالألوهية لجميع المخلوقات بقوله : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . وإثبات البعث والجزاء في الآخرة بالقسم الذي أقسمه : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ « 1 » لا رَيْبَ فِيهِ أي أنه سيجمع الأولين والآخرين في الموت وتحت الأرض ثم يبعثهم في صعيد واحد ، فيجازي كل عامل بعمله . وقد نزلت في الذين شكوا في البعث ، فأقسم اللّه تعالى بنفسه . وقوله : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً معناه : لا أحد أصدق منه عز

--> ( 1 ) سميت القيامة ؛ لأن الناس يقومون فيه لرب العالمين جل وعز ، قال اللّه تعالى : أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ المطففين 83 / 4 - 5 ] . وقيل : لأن الناس يقومون من قبورهم إليها : يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً [ المعارج 70 / 43 ] .