وهبة الزحيلي

172

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

كل هذه الألوان من الاختلافات والاحتمالات لا نجدها في القرآن الكريم ، مما يدل قطعا على أنه كلام اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهو قد أعجز ببلاغته وفصاحته وجزالته البلغاء والفصحاء ، وصور الحقائق تصويرا تاما بلا اختلاف ولا تناقض ، وأخبر عن الماضي السحيق خبرا صدقا موافقا للواقع ، وتحدث عن الحاضر ومكنونات الأنفس والضمائر بما يبهر ويعجب ويخرس الألسنة الناقدة ، وأنبأ عن بعض الأمور في المستقبل ، فجاء الحدث مطابقا لما أنبأ عنه ، ووضع أصول العقيدة ، والتشريع في القضايا العامة والخاصة ، وسياسة الأمم والحكم بما لم يسبق إليه ، وبما تطابق مع أحدث وأصح ما توصلت إليه البشرية بعد مخاضات طويلة في مجال النظريات والفلسفات . وصوّر لنا عالم الغيب ومشاهد القيامة بصور مرئية محسوسة كأننا نشاهدها وننجذب إليها وترتسم صورها في أذهاننا دون أن تفارقها لشدة وقعها ، وبراعة تصويرها ، وصدق حكايتها وواقعيتها : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر 39 / 23 ] . ولو أنصف المسلمون أنفسهم ما اتخذوا هذا القرآن مهجورا ، ولو تدبروا ما فيه وفهموا ما رسمه لهم من طريق الحياة السوية ، لما انحدروا إلى ما هم عليه الآن ، فهو مرشد الهداية ، ونور الأمة ، وصراط اللّه المستقيم ، ومفتاح السعادة ، وطريق تحقق المصلحة ، وبناء الأمة وتحضرها ، قال اللّه تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ، وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [ الإسراء 17 / 9 ] . فقه الحياة أو الأحكام : أرشدت الآيات إلى ما يلي :