وهبة الزحيلي
161
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ أي في أي مكان كنتم يلحقكم الموت . بُرُوجٍ جمع برج وهو القصر أو الحصن . مُشَيَّدَةٍ عالية مرتفعة ، وقيل : مطليّة بالشّيد : وهو الجصّ ( الجبس ) وقد يراد بالبروج المشيدة : القلاع أو الحصون المتينة التي يحتمي فيها الجند من العدو . حَسَنَةٌ شيء حسن عند صاحبه كالخصب والسعة والظفر بالغنيمة . سَيِّئَةٌ ما تسوء صاحبها كالشدة والبلاء والجدب والهزيمة والجرح والقتل . يَفْقَهُونَ حَدِيثاً يفهمون كلاما يلقى إليهم ، أي لا يقاربون أن يفهموا ، ونفي مقاربة الفعل أشدّ من نفيه . سبب النزول : نزول الآية ( 77 ) : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ : أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : يا نبي اللّه ، كنا في عز ، ونحن مشركون ، فلما آمنا صرنا أذلة ؟ قال : إني أمرت بالعفو ، فلا تقاتلوا القوم ، فلما حوّله اللّه إلى المدينة ، أمره بالقتال ، فكفّوا ، فأنزل اللّه : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ : كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ . قال الحسن البصري : هي في المؤمنين ، وقال مجاهد : هي في اليهود ، وقيل : هي في المنافقين ، والمعنى : يخشون القتل من المشركين كما يخشون الموت من اللّه . وأما قوله تعالى : أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ الآية [ 78 ] فروي عن ابن عباس أنه قال : لما استشهد اللّه من المسلمين من استشهد يوم أحد ، قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد : لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . المناسبة : بعد أن أمر اللّه بالاستعداد للقتال وأخذ الحذر ، وذكر حال المبطئين ، وأمر بالقتال في سبيله ومن أجل إنقاذ الضعفاء ، ذكر هنا حال جماعة كانوا يريدون