وهبة الزحيلي
162
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
قتال المشركين في مكة ، فلما فرض عليهم القتال ، كرهه المنافقون والضعفاء ، فوبّخهم اللّه على ذلك الموقف المتناقض . التفسير والبيان : كان المؤمنون في مكة مأمورين بالصلاة والزكاة ومواساة الفقراء ، وبالصفح والعفو عن المشركين ، وكانوا يودّون الإذن لهم بالقتال ليثأروا من أعدائهم ، ولم يكن الحال مناسبا لذاك لأسباب كثيرة منها : قلّة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم ، ومنها كونهم في بلد حرام وأشرف بقاع الأرض ، فلهذا لم يؤمروا بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار . ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودّونه جزع بعضهم منه ، وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديدا ، فقصّ اللّه علينا قصّتهم . ألم تنظر إلى أولئك الذين قيل لهم في مكة في ابتداء الإسلام : التزموا السلم وامنعوا أيديكم وأنفسكم عن الحروب الجاهلية ، وأدّوا الصلاة بخشوع مقوّمة تامة الأركان ، وأدّوا الزكاة التي تؤدي إلى التراحم بين الخلق ، وكانوا في الجاهلية يشنون الحروب لأتفه الأسباب ، وتطفح قلوبهم بالأحقاد ، ولكن حين فرض عليهم القتال في المدينة ، كرهه جماعة وهم المنافقون والضعفاء ، وخافوا أن يقاتلهم الكفار ويقتلوهم ، كخوفهم من إنزال عذاب اللّه وبأسه بهم ، بل أشدّ خوفا من اللّه تعالى . وحكى اللّه تعالى قولهم لشدة هلعهم وخوفهم من القتال وقالوا : ربّنا لم فرضت علينا القتال ، لولا تركتنا نموت موتا طبيعيّا ، ولو بعد أجل قريب ، ولولا أخرت فرض القتال إلى مدّة أخرى ، فإن في القتال سفك الدماء ، ويتم الأولاد ، وتأيم النساء . وهذا كقوله تعالى : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا : لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ، فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ [ محمد 47 / 20 ] .