وهبة الزحيلي
152
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بقدر ، ولا يائسين من حدوث نكسة ما ، أما ما روى الحاكم عن عائشة « لا يغني حذر من قدر » فلا يتناقض مع أخذ الحذر ؛ لأن الحذر داخل في القدر ؛ إذ القدر : هو جريان الأمور على وفق السّببية أي أن المسببات تأتي عادة على قدر الأسباب ، والحذر من جملة الأسباب ، فهو عمل بالقدر . فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً أي فانهضوا للقتال جماعة إثر جماعة ، فصائل وفرقا وسرايا ، أو انهضوا جميعا متعاضدين كلكم حسبما ترون من قوة العدو وحاله . وهذا يعني كون الأمة على استعداد دائم للجهاد ، وهذا نظير قوله تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ، وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [ الأنفال 8 / 60 ] . لكن بعضا منكم في ساحة الجبهة الداخلية قد يتخلف عن الجهاد ، وقد يعرقل مسيرة المجاهدين ، وقد يعوق أو يسعى لتثبيط العزائم عن الجهاد ، وهؤلاء هم المنافقون وضعاف الإيمان والجبناء . أما المنافقون فلا يرغبون في القتال ؛ لأنهم لا يحبون الإسلام وأهله ، وأما الجبناء وضعاف الإيمان فيترددون في المشاركة بالجهاد خورا وضعفا وجبنا . وهؤلاء يصطادون في الماء العكر ويستغلون النتائج والوقائع ، فإن أصابتكم مصيبة كقتل أو هزيمة ، فرحوا فرحا شديدا بنجاة أنفسهم ، وحمدوا اللّه على أن لم يكن أحدهم حاضرا في المعركة ، يعدون ذلك من نعم اللّه عليهم ، ولم يدروا ما فاتهم من الأجر في الصبر ، أو الشهادة إن قتلوا . وإن أصابكم فضل من اللّه ، أي نصر وظفر وغنيمة قالوا - وكأنهم ليسوا من أهل دينكم - : يا ليتنا اشتركنا في القتال لنحظى بسهم من الغنيمة . وهم في الحالين ضعاف العقول ، قاصرو النظر ، ضعاف الإيمان جبناء ، لذا وبّخهم اللّه تعالى وقرّعهم بعبارة لطيفة تدلّ على انقطاع صلتهم بالمسلمين وهي :