وهبة الزحيلي
153
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ . وهذا فيه استثارة للتأمل والتفكير في نفس السامع ؛ إذ يدعو صاحبه إلى النظر في حقيقة حاله وعيوب نفسه . ثم انتقل اللّه تعالى ببيانه من وصف حال الضعفاء إلى بيان مركز الأقوياء ، ومن دائرة الهبوط في دائرة التخلف عن القيام بالواجب إلى الصعود إلى مرتبة يمكن فيها تطهير النفوس من ذلك الذنب العظيم : ذنب التقاعس عن القتال . فحرض عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله ، وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة أو غيرها من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من القيام بها . فليقاتل في سبيل اللّه ولإعلاء كلمته ولنصرة دينه - دين الحق والتوحيد ، والعدل والكرامة ، والقوة والمدنية : من يبيع دنياه الفانية بالآخرة الباقية ، حتى يحقق علو كلمة اللّه ، فيجعل كلمة اللّه هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى ، واللّه عزيز حكيم . ثم رغّب اللّه تعالى في القتال بعد الأمر به ببيان الثواب عليه ، فمن يقاتل في سبيل اللّه ، فيغلبه عدوه ، أو يغلب هو العدو ، فإن اللّه سيؤتيه ثوابا عظيما هو الجنة والأجر الحسن . وهذا يدلّ على شرف الجهاد والمجاهدة ، وقد عانى المسلمون أشدّ البلاء من الكفار في مكة قبل الفتح ، مثلما حدث لبلال وصهيب وعمار وأسرته . ثم زاد الترغيب في الجهاد بنفي الأعذار ، فأي عذر لكم يمنعكم عن القتال في سبيل اللّه لإحلال التوحيد محل الشرك ، والخير محل الشّر ، والعدل والرّحمة في موضع الظلم والقسوة ، وعن إنقاذ المستضعفين إخوانكم في الدّين رجالا ونساء وصبية الذين منعهم كفار قريش من الهجرة وفتنوهم عن دينهم . والتحدث عن هؤلاء يثير النخوة ويهزّ الأريحية ويوقظ الشعور بالواجب والتفاني من أجل رفع الظلم عن الضعفاء .