وهبة الزحيلي

144

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الآخرة ؛ لأن الجنة حفّت بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ، كما ثبت في الحديث . وحينما نزلت هذه الآية أبدى نفر من المسلمين استعداده لتنفيذ الأمر الإلهي . قال أبو إسحاق السبيعي : لما نزلت وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ الآية ، قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد للّه الذي عافانا . فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : « إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي » قال ابن وهب : قال مالك : القائل ذلك أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه . وذكر النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه . وذكر أبو الليث السمرقندي : أن القائل منهم عمّار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس ، قالوا : لو أن اللّه أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا ؛ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي » . وقال عامر بن عبد اللّه بن الزبير : لما نزلت : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ . . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم » أي ابن مسعود . وقال شريح بن عبيد : لما تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ . . أشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده هذه إلى عبد اللّه بن رواحة ، فقال : « لو أن اللّه كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل » يعني ابن رواحة . وفي قوله : أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ إيماء إلى حب الوطن وتعلق الناس به ، وجعله قرين قتل النفس ، وصعوبة الهجرة من الأوطان .