وهبة الزحيلي

103

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقل لهم يا محمد : آمنوا بما نزّلنا ، فكل الكتب المنزلة ذات مصدر واحد ، ولها غاية واحدة . ثم هددهم إن لم يفعلوا بطمس الوجوه والرد على الأدبار ، فتجعل على هيئة أدبارها وهي الأقفاء ، مطموسة مثلها ، عديمة الإبصار ، أو بالهلاك أو المسخ كما أهلك أصحاب السبت من اليهود ، أو مسخهم قردة وخنازير . وأصحاب السبت : يعني الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد بحواجز أقاموها يوم الجمعة ، فإذا حدث المد ثم الجزر . تبقى الأسماك في الأحواض المقامة على الشواطئ . وكان أمر اللّه مفعولا ، أي أن أمره التكويني وهو قوله : كُنْ فَيَكُونُ بإيقاع شيء ما نافذ لا محالة ، فإذا أمر أمرا فإنه لا يخالف ولا يمانع . فاحذروا وعيده ، وخافوا عقابه ، ويراد بالأمر : المأمور ، فالمعنى : أنه متى أراده أوجده . قال ابن عباس : يريد : لا رادّ لحكمه ، ولا ناقض لأمره . ولا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا . وقد تحقق الوعيد في معاصري الوحي بإذلال بني النضير وإجلائهم ، وإهلاك بني قريظة ، وهو معنى الطمس والارتداد على الأدبار على أنها أمور حسية . فقه الحياة أو الأحكام : اختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية ، هل هو حقيقة ، فيجعل الوجه كالقفا ، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين ، أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق ؟ قولان : روي عن أبي بن كعب أنه قال : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده . والمراد به التمثيل ، وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبة .