وهبة الزحيلي
94
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ودلّت الآية وهذا الحديث على عظيم فائدة الاعتراف بالذّنب والاستغفار منه ، أخرج الشّيخان في صحيحيهما ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن العبد إذا اعترف بذنبه ، ثم تاب إلى اللّه ، تاب اللّه عليه » . و في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا ، لذهب اللّه بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون ، فيغفر لهم » وهذه فائدة اسم اللّه تعالى : الغفار والتّواب . أنواع الذّنوب : الذّنوب التي يتاب منها : إما كفر أو غيره ، فتوبة الكافر : إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره ، وليس مجرّد الإيمان نفسه توبة . وغير الكفر إما حقّ اللّه تعالى ، وإما حقّ لغيره . فحقّ اللّه تعالى يكفي في التّوبة منه التّرك ، لكن مع القضاء كالصّلاة والصّوم ، أو مع الكفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك . وأما حقوق الآدميين : فلا بدّ من إيصالها إلى مستحقيها ، فإن لم يوجدوا تصدّق عنهم . فإن كان معسرا فعفو اللّه مأمول وفضله مبذول . وليس على الإنسان إذا لم يذكر ذنبه ويعلمه : أن يتوب منه بعينه ، ولكن يلزمه إذا ذكر ذنبا تاب منه . ودلّ قوله : وَلَمْ يُصِرُّوا على أنّ الإنسان يؤاخذ بما وطّن عليه بضميره ، وعزم عليه بقلبه من المعصية . وهذا يدلّ على أنّ الهم بالمعصية يؤاخذ عليه إن وطّن نفسه عليها « 1 » . وأما معنى قوله عليه الصّلاة والسّلام في الحديث الصحيح : « من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة » أي لم يعزم على عملها ، فإن أظهرها أو عزم عليها عوقب عليها . وفي التّنزيل : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الحجّ 22 / 25 ] عوقبوا قبل فعلهم بعزمهم .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 4 / 215