وهبة الزحيلي
93
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وأتوب إليه ، غفر له ، وإن كان قد فرّ من الزّحف » . و روى مكحول عن أبي هريرة قال : « ما رأيت أكثر استغفارا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . قال علماء المالكية : الاستغفار المطلوب : هو الذي يحلّ عقد الإصرار ، ويثبت معناه في الجنان ، لا التّلفّظ باللسان . فأما من قال بلسانه : أستغفر اللّه ، وقلبه مصرّ على معصيته ، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار ، وصغيرته لا حقة بالكبائر . قال الحسن البصري : استغفارنا يحتاج إلى استغفار . وليس أحد يغفر المعصية ، ولا يزيل عقوبتها إلا اللّه تعالى . والباعث على التوبة وحلّ الإصرار : إدامة الفكر في كتاب اللّه العزيز الغفار ، وما ذكره اللّه سبحانه من تفاصيل الجنّة ، ووعد به المطيعين ، وما وصفه من عذاب النار وتهدّد به العاصين ، ودام على ذلك حتى قوي خوفه ورجاؤه ، فدعا اللّه رغبا ورهبا ، والرّغبة والرّهبة : ثمرة الخوف والرّجاء ، يخاف من العقاب ، ويرجو الثّواب ، واللّه الموفق للصّواب . وتصحّ التّوبة بعد نقضها بمعاودة الذّنب ؛ لأن التّوبة الأولى طاعة وقد انقضت وصحّت ، وهو محتاج بعد مواقعة الذّنب الثّاني إلى توبة أخرى مستأنفة ، والعود إلى الذّنب وإن كان أقبح من ابتدائه ؛ لأنه أضاف إلى الذّنب نقض التّوبة ، فالعود إلى التّوبة أحسن من ابتدائها ؛ لأنه أضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم ، وأنه لا غافر للذّنوب سواه . ودليل ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيما يحكي عن ربّه عزّ وجلّ قال : « أذنب عبد ذنبا ، فقال : اللهم اغفر لي ذنبي ، فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبا ، فعلم أنّ له ربّا يغفر الذّنب ، ويأخذ بالذّنب ، ثم عاد فأذنب فقال : أيّ ربّ اغفر لي ذنبي - فذكر مثله مرّتين ، وفي آخره : اعمل ما شئت فقد غفرت لك » . ومعنى العبارة الأخيرة وهو الأمر : الإكرام ، فيكون من باب قوله : ادْخُلُوها بِسَلامٍ .