وهبة الزحيلي
42
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
عن بني إسرائيل : فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء 4 / 46 ] ، وتارة يعبر بالكثير ، كما في قوله عن النصارى واليهود : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ [ المائدة 5 / 66 ] . ويكثر الفسق عادة بعد طول الأمد على ظهور الدين ، كما قال تعالى : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ، وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ، وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ ، فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [ الحديد 57 / 16 ] . ثم أخبر اللّه تعالى عباده المؤمنين وبشرهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب ، فذكر أن هؤلاء الكافرين الفاسقين لن يلحقوا بكم إلا ضررا بسيطا كالسب والهجاء والتوعد باللسان ومحاولة الصد عن دين اللّه ، والطعن في الدين ، وإلقاء الشبهات ، وتحريف النصوص ، والطعن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما يفعل المبشرون اليوم . وإن يقاتلوكم ينهزموا أمامكم ، ولا ينصرون عليكم أبدا ما داموا على فسقهم ، ودمتم على خيريتكم بالحفاظ على الأصول الثلاثة ، وقد تحققت لسلف أمتنا هذه البشارات الثلاث من أخبار الغيب ، فانهزم يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ، ويهود خيبر . وتحقق مثل هذه الانتصارات مرهون بنصر دين اللّه ، كما قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ، وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [ محمد 47 / 7 ] وبالحفاظ أيضا على الأصول الثلاثة المذكورة هنا وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى في وصف المؤمنين المجاهدين : الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ [ التوبة 9 / 112 ] . والخلاصة : إن النصر ليس هبة تمنح كما يتوقع بعض المخدوعين ، وإنما هو