وهبة الزحيلي
43
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
مشروط بالإتيان بمقومات دينية أساسية ، فما دمنا نأمر بالمعروف ، وننهى عن المنكر ، ونؤمن باللّه إيمانا صحيحا ، تحقق لنا النصر والسيادة والعزة ، وما داموا هم فاسقين خارجين عن حدود اللّه والطاعة والإيمان ، ظلوا أذلة مقهورين . واللّه تعالى ألصق بهم الذل والهوان أبدا أينما كانوا ، لا ينعمون بأمن ولا استقرار ، إلا بعهدين : عهد اللّه وعهد الناس . أما عهد اللّه فهو ما قررته الشريعة لهم من الأمان وتحريم الإيذاء والمساواة في الحقوق والقضاء إذا تم لهم عقد الذمة وفرض الجزية وإلزامهم أحكام الملة . وأما عهد الناس : فهو ما يصدر لهم من الأمان كالمهادن والمعاهد والأسير إذا أمنه أحد المسلمين ولو امرأة ، وكذا التاجر الذي يتعامل معه في داخل البلاد أو على الحدود الخارجية ، لتبادل المنافع والصنائع والتجارات . ومثل ذلك ما نجده من الحماية الثابتة لليهود في فلسطين ، سواء من أمريكا وأوروبا وروسيا وغيرها من الدول الكبرى . واللّه تعالى أيضا ألزمهم غضبا منه فالتزموه ، واستوجبوه واستحقوه ، وأحاط بهم المسكنة والصغار إحاطة المكان بما فيه ، فهم تابعون أذلاء لغيرهم ، دائمون في الذل والحاجة والتبعة لغيرهم ، متفرقون في أقطار الأرض على قلتهم ، وسيظلون كذلك بالرغم من محاولاتهم المستميتة في التجمع والاستيطان والاستقرار في الأراضي المحتلة بفلسطين ، وبالرغم من غناهم واعتمادهم على جمع المال والسيطرة على اقتصاديات العالم . ثم بيّن تعالى سبب كل ذلك وعلته من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بسخط اللّه عليهم : وهو كفرهم بآيات اللّه ، وقتلهم الأنبياء بغير حق تعطيهم إياه شريعتهم ، وبدافع من الكبر والبغي والحسد ، مع اعتقادهم أنهم على غير حق فيما