وهبة الزحيلي
41
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
سَبِيلًا ، أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [ النساء 4 / 150 - 151 ] . والدليل عليه قوله تعالى : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ مع إيمانهم باللّه ، لكان الإيمان خيرا لهم مما هم عليه ؛ لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام ، حبا للرياسة ، واستتباع العوام ، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع ، وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله ، مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين . هذه المقومات والأوصاف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان الحق باللّه وبعناصر الإيمان الأخرى هي سبب الفضيلة والخيرية ، ولا تثبت للأمة إلا بمحافظتها على هذه الأصول الثلاثة ، روى ابن جرير عن قتادة قال : بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في حجة حجها ، رأى من الناس دعة ، فقرأ هذه الآية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ثم قال : « من سرّه أن يكون من هذه الأمة ، فليؤد شرط اللّه فيها » . ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم اللّه بقوله تعالى : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ [ المائدة 5 / 79 ] . ولهذا لما مدح اللّه تعالى هذه الأمة على هذه الصفات ، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم ، فقال : ولو آمنوا بما أنزل على محمد ، لكان خيرا لهم ؛ إذ هم يؤمنون ببعض الكتاب ، ويكفرون ببعض ، ويؤمنون ببعض الرسل كموسى وعيسى ، ويكفرون بمحمد ، مع أن كتبهم تتضمن البشارة بمحمد وصفته ! إلا أن هذا الذم ليس كليا ولا جماعيا شاملا ، لذا استطرد اللّه تعالى فذكر أن بعض أهل الكتاب ، كعبد اللّه بن سلام وأصحابه والنجاشي ورهطه مؤمنون إيمانا حقا ، لكن أكثرهم فاسقون خارجون عن حدود دينهم وكتبهم ، متمردون في الكفر ، فقليل منهم من يؤمن باللّه وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم ، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان . ومرة يعبر تعالى بالأكثر كما هنا ، وكما في قوله