وهبة الزحيلي

30

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

الفرائض ودقائق معاني الشرع ، وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث ، وهم مع ذلك متآلفون ، ولا فيما كان أثناء تبادل الآراء فيما يحقق مصلحة الأمة بإخلاص ، فليس في الآية دليل على تحريم الاختلاف في الجزئيات والفروع ، وتقدير المصالح العامة ، وإنما الخلاف المذموم هو في اتباع الأهواء والأغراض المختلفة ، وما يؤدي إليه من تقاطع وتدابر وتقاتل . روى الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة » « 1 » وأخرجه أيضا عن ابن عمر بزيادة : « كلهم في النار إلا ملة واحدة ، قالوا : من هي يا رسول اللّه ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي » . 5 - أوجب اللّه تعالى علينا التّمسك بكتابه وسنّة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم والرّجوع إليهما عند الاختلاف ، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسّنة اعتقادا وعملا ، وذلك سبب اتّفاق الكلمة ، وانتظام الشّتات الذي يتمّ به مصالح الدّنيا والدّين ، والسّلامة من الاختلاف ، كما بيّنا . وقرن ذلك بأمره تعالى بتذكّر نعمه وأعظمها الإسلام واتّباع نبيّه محمد عليه الصّلاة والسّلام ، فإن به زالت العداوة والفرقة ، وكانت المحبّة والألفة . الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وتأكيد النّهي عن التّفرّق [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 104 إلى 109 ] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 )

--> ( 1 ) قال الترمذي : هذا حديث صحيح .