وهبة الزحيلي
264
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ويكون المقصود بالآية حث الأولياء على حفظ أموال اليتامى وإحسان القول إليهم ، بتذكيرهم حال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها ويعتبروا بها ، وذلك من أقوى البواعث على العظة والاعتبار ، فالإنسان كما يدين يدان ، وهو مطالب بأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به . وتكون الآية مرتبطة بما قبلها ؛ لأن قوله تعالى : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ في معنى الأمر للورثة ، أي أعطوهم حقهم ، وليحفظ الأوصياء ما أعطوه ، ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم . ثمّ أكّد اللّه تعالى الأوامر والنواهي السابقة وقررها وذكّر بالعقاب الشديد لمن يأخذ مال اليتيم ظلما بغير حق ، وهو دخول النار وإحراقهم بها ، وهي نار مستعرة شديدة الإحراق ، وقودها الناس والحجارة ، وقانا اللّه منها . وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها يقصد به إما ملء بطونهم نارا للنهاية ، وإما للتأكيد والمبالغة ، كما في قوله تعالى : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [ آل عمران 3 / 167 ] ، والقول لا يكون إلا بالفم ، وقوله : وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج 22 / 46 ] ، والقلوب لا تكون إلا في الصدور ، وقوله : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام 6 / 38 ] ، والطير لا يطير إلا بجناحين ، الغرض من ذلك كله التأكيد والمبالغة ، كما أن فيه تبشيعا لأكل مال اليتيم في حالة الظلم . وفي تقييد الأكل بحالة الظلم دلالة على مشروعية أخذ مال اليتيم بحق ، كأجرة العمل ، والقرض مثلا ، وذلك لا يعدّ ظلما ولا الآكل الآخذ ظالما . والتعبير بالأكل يقصد به جميع وجوه الانتفاع والإتلاف والاستهلاك ، ولكن عبّر به لأنه أهم حالات الانتفاع .