وهبة الزحيلي

252

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أيضا على أنه لا يجوز للولي إمساك مال اليتيم بعد ما يصير في حد الكبر ، ولولا ذلك لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى ، إذ كان الوالي عليه هو المستحق لماله قبل الكبر وبعده ، فهذا يدل على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه . وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة ؛ لأن مثله يكون جدّا ، ومحال أن يكون جدا ، ولا يكون في حد الكبار . وقال الشافعية : إن المراد من قوله : أَنْ يَكْبَرُوا أن يبلغوا راشدين عملا بقوله تعالى : حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وعبر عن ذلك بالكبر ؛ لأن الغالب أن من بلغ حد الرجال ، كان رشيدا . وتساءل العلماء ، هل ما يأكله الولي من مال اليتيم يعد أجرة أو لا ؟ يرى الحنفية أنه ليس بأجرة . وقال آخرون : إنه أجرة ولم يفرق بين الغني والفقير ، كما هو القياس في كل عمل يقابل بأجر ، وحينئذ يكون الأمر في قوله تعالى : وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ محمولا على الندب ، كما هو اللائق بمحاسن العادات . والقاعدة الفقهية تقتضي أن تكون هذه الأجرة مقدرة بأجر المثل ، سواء أكفت الولي أم لا « 1 » . ثم بين اللّه تعالى طريقة الدفع وهي : فإذا دفعتم أيها الأولياء والأوصياء الأموال إلى اليتامى ، فأشهدوا عليهم بقبضها ، وبراءة ذمتكم منها ؛ لأن هذا الإشهاد - بعد رعاية الشرطين السابقين : البلوغ ثم الرشد - أبعد عن التهمة ، وأنفى للخصومة ، وأدخل في الأمانة . وهذا الإشهاد عملا بظاهر الآية واجب عند المالكية والشافعية ؛ إذ أن تركه يؤدي إلى التخاصم والتقاضي ، والأمر يقتضي الوجوب ، وجعله الحنفية مندوبا ،

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي : 4 / 188