وهبة الزحيلي
189
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
على المرسلين ، والكتاب المنير أي الواضح الجلي وهو التوراة والإنجيل والزبور ، فصبروا على الأذى والسخرية ، والمخالفة والمعاندة . وهذا من طبيعة البشر في كل زمن ، منهم من يصغي إلى الحق ، ومنهم من يقاومه ويهزأ بصاحبه ، فلا تعجب من مقاومة دعوتك ، فإن نفوسهم لا تنشد الوصول إلى الحق ، ولا تبغي الخير . فقه الحياة أو الأحكام : لم يرتكب شعب في الدنيا جرائم شنيعة مثل اليهود ، ولم يقتصر إجرامهم على البشرية ، وإنما تجاوز ذلك إلى اللّه والرسل ، فقالوا : إن اللّه فقير ونحن أغنياء ، وقتلوا الأنبياء بغير حق ولا ذنب ، لذا قرعهم اللّه تعالى في القرآن الكريم وهددهم وأنذرهم بعذاب النار على أفعالهم . والسلف والخلف منهم راضون بتلك الجرائم ، لذا صحت نسبة الجريمة إلى المتأخرين منهم ، وإضافتها إليهم مع أن القول السابق وقتل الأنبياء حدثا من أسلافهم ، وكان بينهم نحو سبعمائة سنة . وهذا يدل على أن الرضا بالمعصية معصية ، وقد روى أبو داود عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا عملت الخطيئة في الأرض ، كان من شهدها فكرهها - وقال مرة : فأنكرها - كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها » . ومن جرائمهم : الكذب السافر على اللّه وافتراؤهم عليه أنه عهد إليهم وأنزل عليهم كتابا فيه : ألا يؤمنوا لرسول يزعم أنه من عند اللّه ، حتى يأتيهم بقربان تأكله النار . ويكون هذا من قبيل المعجزة الدالة على صدقه . فرد اللّه تعالى عليهم أن معجزات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دليل قاطع في إبطال دعواهم ، وكذلك معجزات عيسى ، ومن علم صدقه وجب تصديقه . والقضية قضية مخالفة ومعاندة ، وليست قضية قناعة وحجة وبرهان ،