وهبة الزحيلي

12

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لم يكتب علينا ، وأبوا أن يحجّوا ، فأنزل اللّه : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ . وقد ذكرت عن مجاهد سبب نزول آية إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ في مقدّمة تفسير الآيات السابقة . التفسير والبيان : إنّ البيت الحرام قبلة المسلمين في الصلاة والدعاء : هو أوّل بيت وضع معبدا للناس ، بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام للعبادة : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ [ البقرة 2 / 127 ] ، ثمّ بني المسجد الأقصى بعد ذلك بقرون ، بناه سليمان بن داود سنة 1005 قبل الميلاد ، فكان جعله قبلة أولى ، فيكون النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ملّة إبراهيم الذي كان يتّجه بعبادته إلى الكعبة المشرّفة . فالبيت الحرام أول بيت عبادة ، وهي أولية زمان ، تستتبع أولية الشرف والمكانة ، وله مزايا عديدة هي : 1 - إنه مبارك كثير الخيرات ، فهو بالرغم من كونه في واد غير ذي زرع ، بصحراء جرداء ، كما قال تعالى : يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [ القصص 28 / 57 ] ، ففيه الخضار والفواكه ومنتجات الدّنيا ، وهو أيضا كثير البركة في الثواب والأجر ، ففيه تضاعف الحسنات ، ويستجاب الدّعاء . 2 - إنه مصدر هداية للناس ، يتّجه إليه المصلّون ، وتهواه الأفئدة ، ويزحف إليه الملايين مشاة وركبانا ، يأتون إليه من كلّ فجّ عميق ، لأداء مناسك الحجّ والعمرة ، ببركة دعوة إبراهيم عليه السّلام : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ، لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [ إبراهيم 14 / 37 ] ، وقد