وهبة الزحيلي

13

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أجاب اللّه دعاء إبراهيم : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ . . . الآية [ الحجّ 22 / 27 - 28 ] . 3 - فيه آيات واضحات ، منها مقام إبراهيم ( موضع قيامه للصلاة والعبادة ) تعرفه العرب بالنقل المتواتر جيلا عن جيل ، ويدلّ عليه أثر قدمه الشريف على الحجر . 4 - ومن دخله كان آمنا على نفسه وماله من أي اعتداء وإيذاء ، فلا يسفك فيه دم حرام ، ولا يقتل الشخص فيه ولو كان مطلوبا للثأر أو القصاص ، لقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [ العنكبوت 29 / 67 ] ، وقوله : أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً [ القصص 28 / 57 ] ، وقوله : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [ البقرة 2 / 125 ] ، وكما دعا إبراهيم عليه السّلام : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [ البقرة 2 / 126 ] . وقال عمر بن الخطاب : « لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه » . وقال أبو حنيفة : « من وجب قتله في الحلّ بقصاص أو ردّة أو زنا ، فالتجأ إلى الحرم ، لم يتعرّض له ، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه » . واتّفقت قبائل العرب على تعظيمه واحترامه ، بنسبته إلى اللّه ، حتى إن القاتل اللاجئ إلى الحرم يصير فيه آمنا ما دام فيه . قال الجصاص الرازي : « هذه الآي متقاربة المعاني في الدلالة على حظر قتل من لجأ إلى الحرم ، وإن كان مستحقا للقتل قبل دخوله ، ولما عبّر تارة بذكر البيت ، وتارة بذكر الحرم ، دلّ على أنّ الحرم في حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه » « 1 » . وقد أقرّ الإسلام ميزة البيت الحرام . وأما ما كان من فتح مكّة عنوة بالسّيف

--> ( 1 ) أحكام القرآن : 1 / 23