وهبة الزحيلي

110

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه ، فقد توفي موسى وعيسى عليهما السّلام ، وقتل زكريا ويحيى عليهما السّلام ، ومع هذا ظلّت ديانتهم كما هي ، وأتباعهم متمسكون بها ، فعليكم الثبات على الدين والمبدأ كما كنتم ولو مات أو قتل ، فالرّسول بشر كسائر الأنبياء ، له مهمة تنتهي بانتهاء أجله ، فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه ، فإن اللّه حيّ باق لا يموت . ثم أنكر اللّه تعالى على من حصل له ضعف بأن من يرجع عن دينه والجهاد في سبيل اللّه ومقاومة الأعداء ، فلن يضرّ اللّه شيئا بما فعل ، بل يضرّ نفسه . وسيجزي اللّه الشاكرين نعمه الذين قاموا بطاعته ، وقاتلوا عن دينه ، واتّبعوا رسوله حيّا وميّتا بأن يمنحهم من فضله ورحمته في الدّنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم . وكانت هذه تمهيدا لموت النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتذكيرا لأمثال عمر رضي اللّه عنه . وهذا يعني أن المصائب التي تحلّ بالإنسان لا مدخل لها في كونه على حق أو باطل . قال أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك في ساعة اشتداد الأزمة على المسلمين في أحد ، وحين شاع بين الناس أنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد قتل ، وظهر على لسان بعض ضعفاء المؤمنين : ليت لنا رسولا إلى عبد اللّه بن أبيّ ، فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان ، وقال بعض المنافقين : إن كان محمد قد قتل ، فالحقوا بدينكم الأول ، قال : « إن كان محمد قد قتل ، فإن ربّ محمد لم يقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه ، وموتوا على ما مات عليه » . ثم قال : « اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء » ، ثم شدّ بسيفه ، فقاتل حتى قتل رضي اللّه عنه « 1 » . وقال البخاري : عن أبي سلمة أن عائشة رضي اللّه عنها أخبرته : أنّ أبا بكر

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 4 / 221 ، تفسير ابن كثير : 1 / 413