وهبة الزحيلي

111

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

رضي اللّه عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسّنح « 1 » ، حتى نزل ، فدخل المسجد ، فلم يكلّم الناس حتى دخل على عائشة ، فتيمم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو مغطّى ( مغشى ) بثوب حبرة ( برد يمان ) ، فكشف عن وجهه ، ثم أكبّ عليه وقبّله وبكى ، ثم قال : بأبي أنت وأمي ، واللّه لا يجمع اللّه عليك موتتين : أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها . وقال الزّهري : وحدثني أبو سلمة عن ابن عبّاس أن أبا بكر خرج ، وعمر يكلّم الناس ، وقال : اجلس يا عمر ، قال أبو بكر : أما بعد ، من كان يعبد محمدا ، فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه ، فإنّ اللّه حيّ لا يموت ، قال اللّه تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ - إلى قوله - وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قال : فو اللّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللّه أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر ، فتلاها منه الناس كلّهم ، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها . وروى ابن ماجة عن عائشة مثل ذلك « 2 » . وقال الزّهري أيضا : وأخبرني سعيد بن المسيّب أن عمر قال : واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ، فعرقت حتى ما تقلني رجالي ، وحتى هويت إلى الأرض . وقال أبو القاسم الطبري بسنده - فيما حدثوا به - عن ابن عبّاس : أنّ عليّا كان يقول في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ : واللّه لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا اللّه ، واللّه لئن مات أو قتل ، لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت ، واللّه إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه ، فمن أحق به منّي « 3 » ؟

--> ( 1 ) موضع بعوالي المدينة ، وهي منازل بني الحارث بن الخزرج ، بينهما وبين منزل النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ميل . ( 2 ) تفسير القرطبي : 4 / 222 - 223 ( 3 ) تفسير ابن كثير : 1 / 409 - 410