وهبة الزحيلي
109
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
يحضروا مشهدا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليصيبوا من كرامة الشهادة ما نال شهداء بدر ، وهم الذين ألحوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الخروج إلى المشركين ، وكان رأيه في الإقامة بالمدينة . فقال اللّه لهم : قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو ، وتحترقون عليه ، وتودون مناجزتهم ومصابرتهم ، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه ، فدونكم فقاتلوا وصابروا . فلما كان يوم أحد ولّى جماعة منهم ، فعاتبهم اللّه على ذلك . روي عن الحسن البصري أنه قال : بلغني أنّ رجالا من أصحاب النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يقولون : لئن لقينا مع النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم لنفعلنّ ولنفعلنّ ، فابتلوا بذلك ، فلا واللّه ، ما كلّهم صدق ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ . وتمني الموت : معناه تمني الشهادة في سبيل اللّه . ولقد تمنى الشهادة جماعة لم يشهدوا بدرا ، حتى إذا دارت معركة القتال مع الأعداء في أحد ، وشهدوا أسباب الموت من اشتباك الرّماح ، وظهور الأسنة ، واصطفاف الرجال للقتال ، جبنوا وضعفوا ، وتركوا رسول اللّه يتلقى السهام ، وهو يدعوهم إلى الوقوف بجانبه ، ويدعوهم إلى عبادة اللّه ، وصدق اللقاء والثبات . فمعنى قوله : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي رأيتم الموت ، أي أسبابه ، معاينين مشاهدين له ، حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم ، وشارفتم أن تقتلوا . وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت ، وعلى ما تسببوا له من خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بإلحاحهم عليه ، ثم انهزامهم عنه ، وقلة ثباتهم عنده . ولما انهزم المسلمون يوم أحد ، وقتل من قتل منهم ، نادى الشيطان : ألا إن محمدا قد قتل ، ورجع ابن قميئة إلى المشركين ، فقال لهم : قتلت محمدا ، وإنما كان ضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فشجه في رأسه ، فظنّ الكثيرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد قتل ، فأنزل اللّه : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية ، أي