وهبة الزحيلي
106
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أي تتمنون الشهادة في سبيل اللّه . تَلْقَوْهُ تشاهدوا أهواله وتروا مخاطره . رَأَيْتُمُوهُ رأيتم أسباب الموت من لقاء الشجعان ومصاولة الفرسان . وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ تتأملون وتبصرون الحال كيف هي ، فلم انهزمتم . ونزل في هزيمتهم لما أشيع أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قتل ، وقال لهم المنافقون : إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم . انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أصل معناه : رجعتم إلى الوراء ، والمراد هنا رجعتم كفارا بعد إيمانكم . وهذه الجملة استفهام إنكاري ، أي ما كان محمد معبودا فترجعوا إلى الكفر . إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بقضائه . كِتاباً مصدر أي كتب اللّه ذلك . مُؤَجَّلًا ذا أجل مؤقت لا يتقدم ولا يتأخر ، والأجل : المدّة المضروبة للشيء . وَكَأَيِّنْ كلمة بمعنى كم ، تفيد كثرة ما دخلت عليه . رِبِّيُّونَ جماعات كثيرة ، واحدهم ربّي : وهو الجماعة . فَما وَهَنُوا وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وهنوا : ضعفوا وجبنوا ، والوهن : ضعف يصيب القلب ، والضعف : اختلال قوة الجسم ، والاستكانة : الاستسلام والخضوع للعدو ليفعل ما يريد . وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ يثيبهم ، والصبر : احتمال الشدائد وتحمل المكاره . وَإِسْرافَنا الإسراف : تجاوز الحدّ في كلّ شيء ، كما قال تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ الأعراف 7 / 31 ] . وَثَبِّتْ أَقْدامَنا بتقوية قلوبنا على الجهاد وإزالة الوساوس من صدورنا . سبب النزول : نزول الآية ( 143 ) : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس : أنّ رجالا من الصحابة ، كانوا يقولون : ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ، أو ليت لنا يوما كيوم بدر ، نقاتل فيه المشركين ، ونبلي فيه خيرا ، أو نلتمس الشهادة والجنة ، أو الحياة والرزق ، فأشهدهم اللّه أحدا ، فلم يلبثوا إلا من شاء منهم ، فأنزل اللّه : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ الآية .