وهبة الزحيلي

10

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قُلْ : فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فلم يأتوا ، فقال عزّ وجلّ : فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » . قال الزّجاج : « في هذه الآية أعظم دلالة لنبوّة محمد نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، أخبرهم أنه ليس في كتابهم ، وأمرهم أن يأتوا بالتوراة ، فأبوا ، يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي » . الثاني - ما حرّمه اللّه في التّوراة على بني إسرائيل من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبة لهم على معاصيهم ، كما قال تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [ النساء 4 / 160 ] ، وقال : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ إلى قوله : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ [ الأنعام 6 / 146 ] . ويرى الكلبي : أنه لم يحرّم اللّه عزّ وجلّ لحوم الإبل في التوراة عليهم ، وإنما حرمه بعد التوراة بظلمهم وكفرهم ، وكان بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما ، حرم اللّه تعالى عليهم طعاما طيّبا ، أو صبّ عليهم رجزا وهو الموت ، فذلك قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ . . . وقوله : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا . . . . ودلّت الآيات صراحة على اتّفاق شريعة القرآن مع ملّة إبراهيم ، بل وملل الأنبياء قاطبة في الدّعوة إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ، ومحاربة الشرك والوثنية ، واتّباع الإسلام بالمعنى العام : وهو الخضوع والانقياد إلى اللّه تعالى في كلّ ما أمر به وما نهى عنه . منزلة البيت الحرام وفرضية الحج [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 96 إلى 97 ] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 )