وهبة الزحيلي

9

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : دلت الآية على التفضيل بين الأنبياء في زيادة الأحوال والخصوصيات والكرامات والألطاف الإلهية والمعجزات المتباينات . أما النبوة في نفسها فلا تتفاضل ، فكلهم في النبوة والتبليغ ووحدة الهدف والغاية سواء ، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها ، ولذلك منهم رسل وأولو عزم ، ومنهم من اتخذ خليل اللّه ، ومنهم من كلم اللّه ، ورفع بعضهم درجات . والرسل أفضل من الأنبياء ، فمن أرسل بشرع وأمر بتبليغه أفضل ممن لم يؤمر بالتبليغ ، وأولو العزم من الرسل وهم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أفضل من بقية الرسل . ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الأنبياء والمرسلين على الإطلاق ، لأن رسالته عامة للناس جميعا ، وللإنس والجن أيضا ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ سبأ 34 / 28 ] ولأن رسالته توجهت بالقرآن المجيد الذي هو شرع اللّه الدائم والذي ختمت به الشرائع ، والمتكفل بحفظه إلى يوم القيامة ، ولغير ذلك من الأسباب التي ذكرناها سابقا ، لذا قال تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ الأحزاب 33 / 7 ] فعمّ ثم خص وبدأ بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - فيما رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة - : « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة » . وأما قوله عليه السلام : « لا تخيروني على موسى » أو « لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى » فهو على معنى التواضع . وهذا القول ينطبق على الصحابة رضوان اللّه عليهم ، اشتركوا في الصحبة ، ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم اللّه من المواهب والخصائص ، فهم متفاضلون بالمآثر ، مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم ، ويشير القرآن إلى ذلك بقوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ الآية [ الفتح 48 / 29 ] وقوله : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها [ الفتح 48 / 26 ] وقوله : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ . . [ الحديد 57 / 10 ] وقوله : لَقَدْ