وهبة الزحيلي
56
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بعمله ذمّوه وحسدوه ومقتوه ، وقد يتهمونه بالتهور والطيش إن كانت نفقته كثيرة ، وإن مدحوه فلا قيمة ولا غناء لمديحهم ؛ لأن ما عند اللّه خير وأبقى أو أنفع وأخلد . واللّه تعالى بكرمه وفضله ينمي نفقات المخلصين ويكافئهم بالمزيد ، كالبستان الذي يثمر ضعفي ثمرته ، تقريبا لأذهاننا ، أخرج مسلم ومالك وغيرهما عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها اللّه بيمينه ، فيربّيها كما يربّي أحدكم فلوه « 1 » ، أو فصيله ، حتى تكون مثل الجبل أو أعظم » . وأما المنفق لغير وجه اللّه فيتلاشى فضل عمله سراعا في الدنيا ، ولا يجد له ثمرة في الآخرة . روي عن ابن عباس وغيره أن هذا - أي الموقف الثاني - مثل ضربه اللّه تعالى للكافرين والمنافقين ، كهيئة رجل غرس بستانا ، فأكثر فيه من الثمر ، فأصابه الكبر ، وله ذرية ضعفاء - يريد صبيانا بنات وغلمانا - فكانت معيشته ومعيشة ذرّيته من ذلك البستان ، فأرسل اللّه على بستانه ريحا فيها نار ، فأحرقته ، ولم يكن عنده قوة ، فيغرسه ثانية ، ولم يكن عند بنيه خير ، فيعودون على أبيهم . وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى اللّه تعالى يوم القيامة ، ليست له كرّة يبعث فيرد ثانية ، كما ليست عند هذا قوة فيغرس بستانه ثانية ، ولم يكن عند من افتقر إليه عند كبر سنه وضعف ذريته غنىّ عنه . وقد دل تعليل الإنفاق بعلتين في آية : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ . . على أن نقصد بأعمالنا أمرين : أولهما - ابتغاء رضوان اللّه لذاته ، تعبدا له .
--> ( 1 ) الفلو : بضم الفاء وفتحها مع ضم اللام ، وبكسرها مع سكون اللام : المهر الصغير .