وهبة الزحيلي
22
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
إلى اللّه ، ونشر الإسلام في أنحاء الأرض ، بدليل قبول المعاهدات والصلح على دفع الجزية وتخيير العدو بين ذلك وبين الاحتكام إلى القتال . ومن هداه اللّه للإسلام ، وشرح صدره ونور بصيرته ، دخل فيه على بينة ، ومن أعمى اللّه قلبه ، وختم على سمعه وبصره ، بسبب عدم استخدامه وسائل النظر والمعرفة الصحيحة ، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا . وبناء عليه ، من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير اللّه ، وكفر بعبادة أي مخلوق من الناس أو الجن أو الشيطان أو الكواكب أو الأوثان والأصنام ، وعبد اللّه وحده وشهد أن لا إله إلا هو ، فقد تمسك بالحق ، وثبت على الهدى ، واستقام على الطريق المستقيم ، وكان مثله مثل الممسك بعروة حبل محكم مأمون الانقطاع ، أي أن اللّه تعالى شبه من استمسك من الدين بأقوى سبب بمن استمسك بالعروة القوية التي لا تنفصم ، فصارت محكمة مبرمة قوية ، لا يحلّ ربطها القوي الشديد . والعروة الوثقى فسرت بعبارات ترجع إلى معنى واحد : وهي الإيمان ، أو الإسلام ، أو لا إله إلا اللّه . واللّه يرصد بدقة أقوال الناس وأفعالهم وتصوراتهم وأفكارهم ، فهو سميع لقول من يدعي الكفر بالطاغوت والإيمان باللّه ، عليم بما يضمره قلبه من تصديق أو تكذيب ؛ لأن الإيمان : ما نطق به اللسان واعتقده القلب ، واللّه سميع عليم بكل شيء ظاهر وباطن ، يعلم حقائق الأشياء والأقوال والمعتقدات والأفعال . قال القرطبي : ولما كان الكفر بالطاغوت ، والإيمان باللّه مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات : سَمِيعٌ من أجل النطق ، عَلِيمٌ من أجل المعتقد . واللّه يتولى أمور المؤمنين بالرعاية والعناية والهداية لأرشد الأمور ، وهو يخرجهم بهداية الحواس والعقل والدين من ظلمات الشك والشبهة ، والجهل