وهبة الزحيلي
23
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
والضلالة ، والكفر والانحراف ، إلى نور العلم والمعرفة واليقين والإيمان الصحيح ، كما قال : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ، فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [ الأعراف 7 / 201 ] قال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة : نزلت في قوم آمنوا بعيسى ، فلما جاء محمد عليه السلام كفروا به ، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات « 1 » . وأما الكافرون باللّه ورسوله فلا سلطان على نفوسهم إلا لمعبوداتهم الباطلة التي تقودهم إلى الضلال ، فإن لاح لهم نور الحق والإيمان ، بادر الشيطان وما يلقيه من وساوس إلى إطفاء هذا النور ، وإبقاء الكفار في ظلمات الشك والضلال ، والكفر والعصيان ، أو النفاق والتردد . وكان جزاؤهم الحق المنتظر هو الخلود في النار والملازمة لها بسبب بعدهم عن الهدى ، وتماديهم في الضلال ، وعدم استنارة قلوبهم بنور الحق . وبما أن الحق واحد وحّد اللّه تعالى لفظ النور ، وجمع الظلمات ؛ لأن الكفر أجناس مختلفة كثيرة ، وكلها باطلة ، كما قال : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ الأنعام 6 / 153 ] وقال تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام 6 / 1 ] ونحو ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتشعبه . فقه الحياة أو الأحكام : هذه الآية قاعدة من قواعد الإسلام الكبرى ، وركن عظيم من أركان سياسته ومنهجه ، فهو لا يجيز إكراه أحد على الدخول فيه ، ولا يسمح لأحد أن يكره أحدا من أهله على الخروج منه .
--> ( 1 ) البحر المحيط : 2 / 283